النويري

184

نهاية الأرب في فنون الأدب

يزيد بن معاوية ، والحسين ابن بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وسيّد شباب أهل الجنة ، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما ، وقد جئتك خاطبا عليهما ، فاختاري أيّهما شئت ؛ فسكتت طويلا ثم قالت : يا أبا الدرداء ، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك واتّبعت فيه رأيك ولم أقتطعه دونك ، فأمّا إذ كنت أنت المرسل فقد فوّضت أمرى بعد اللَّه إليك وجعلته في يديك ، فاخترلى أرضاهما لديك ، واللَّه شاهد عليك ، فاقض في أمرى بالتحرّى ولا يصدّنّك عن ذلك اتباع هوى ، فليس أمرهما عليك خفيّا ، ولا أنت عما طوّقتك غبيّا ؛ فقال : أيتها المرأة ، إنما علىّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك ؛ قالت : عفا اللَّه عنك ! إنما أنا ابنة أخيك ، ولا غنى لي عنك ، فلا تمنعك رهبة أحد عن قول الحق فيما طوّقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حمّلتك ؛ واللَّه خير من روعى وخيف ، إنه بنا خبير لطيف . فلما لم يجد بدّا من القول والإشارة قال : أي بنيّة ، إن ابن بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أحبّ إلىّ وأرضى عندي ، واللَّه أعلم بخيرهما لك ، وقد رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد وضع شفتيه على شفتى حسين ، فضعي شفتيك حيث وضع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم شفتيه ؛ قالت : قد اخترته وأردته ورضيته . فتزوّجها الحسين وساق لها مهرا عظيما . فبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء شديدا ، وقال : من يرسل ذا بله وعمى يركب خلاف ما يهوى . وأما عبد اللَّه ابن سلَّام فإنّ معاوية اطَّرحه وقطع عنه جميع روافده ، لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه ، ولم يزل يجفوه حتى عيل صبره وقلّ ما في يديه . فرجع إلى العراق ، وكان قد استودع زينب قبل طلاقه لها مالا عظيما ودرّا كثيرا ، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها وطلاقها من غير شئ كان منها ، فلقى حسينا فسلَّم عليه ، ثم قال : قد علمت ما كان من خبري وخبر زينب ، وكنت قد استودعتها مالا ولم أقبضه ، وأثنى عليها وقال له :